الشوكاني

40

فتح القدير

الجملة بيان لشدة الأمر وتعاظمه وقرأ ابن محيصن والبزي " سحاب ظلمات " بإضافة سحاب إلى ظلمات ، ووجه الإضافة أن السحاب يرتفع وقت هذه الظلمات ، فأضيف إليها لهذه الملابسة . وقرأ الباقون بالقطع والتنوين . ومن غرائب التفاسير أنه سبحانه أراد بالظلمات : أعمال الكافر ، وبالبحر اللجي : قلبه ، وبالموج فوق الموج : ما يغشى قلبه من الجهل والشك والحيرة . والسحاب الرين والختم والطبع على قلبه ، وهذا تفسير هو عن لغة العرب بمكان بعيد . ثم بالغ سبحانه في هذه الظلمات المذكورة بقوله ( إذا أخرج يده لم يكد يراها ) وفاعل أخرج ضمير يعود على مقدر دل عليه المقام : اي إذا أخرج الحاضر في هذه الظلمات أو من ابتلى بها . قال الزجاج وأبو عبيدة : المعنى لم يرها ولم يكد . وقال الفراء : إن كاد زائدة . والمعنى : إذا أخرج يده لم يرها ، كما تقول ما كدت أعرفه . وقال المبرد : يعني لم يرها إلا من بعد الجهد . قال النحاس ، أصح الأقوال في هذا أن المعنى لم يقارب رؤيتها ، فإذن لم يرها رؤية بعيدة ولا قريبة ، وجملة ( ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) مقررة لما قبلها من كون أعمال الكفرة على تلك الصفة ، والمعنى : ومن لم يجعل الله له هداية فما له من هداية . قال الزجاج : ذلك في الدنيا ، والمعنى : من لم يهده الله لم يهتد ، وقيل المعنى من لم يجعل له نورا يمشى به يوم القيامة فما له من نور يهتدي به إلى الجنة ( ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض ) قد تقدم تفسير مثل هذه الآية في سورة سبحان ، والخطاب لكل من له أهلية النظر ، أو للرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد علمه من جهة الاستدلال ، ومعنى ( ألم تر ) ألم تعلم ، والهمزة للتقرير : أي قد علمت علما يقينيا شبيها بالمشاهدة ، والتسبيح التنزيه في ذاته وأفعاله وصفاته عن كل ما لا يليق به ، ومعنى ( من في السماوات والأرض ) من هو مستقر فيهما من العقلاء وغيرهم ، وتسبيح غير العقلاء ما يسمع من أصواتها ويشاهد من أثر الصنعة البديعة فيها . وقيل إن التسبيح هنا هو الصلاة من العقلاء والتنزيه من غيرهم . وقد قيل إن هذه الآية تشمل الحيوانات والجمادات ، وأن آثار الصنعة الإلهية في الجمادات ناطق ومخبر باتصافه سبحانه بصفات الجلال والكمال وتنزهه عن صفات النقص ، وفي ذلك تقريع للكفار وتوبيخ لهم حيث جعلوا الجمادات التي من شأنها التسبيح لله سبحانه شركاء له يعبدونها كعبادته عز وجل . وبالجملة فإنه ينبغي حمل التسبيح على ما يليق بكل نوع من أنواع المخلوقات على طريقة عموم المجاز . قرأ الجمهور ( والطير صافات ) بالرفع للطير والنصب لصافات على أن الطير معطوفة على من ، وصافات منتصب على الحال . وقرأ الأعرج " والطير " بالنصب على المفعول معه ، وصافات حال أيضا . قال الزجاج : وهي أجود من الرفع . وقرأ الحسن وخارجة عن نافع " والطير صافات " برفعهما على الابتداء والخبر ، ومفعول صافات محذوف : أي أجنحتها ، وخص الطير بالذكر مع دخولها تحت من في السماوات والأرض لعدم استمرار استقرارها في الأرض وكثرة لبثها في الهواء وهو ليس من السماء ولا من الأرض ، ولما فيها من الصنعة البديعة التي تقدر بها تارة على الطيران ، وتارة على المشي بخلاف غيرها من الحيوانات ، وذكر حالة من حالات الطير ، وهي كون صدور التسبيح منها حال كونها صافات لأجنحتها ، لأن هذه الحالة هي أغرب أحوالها ، فإن استقرارها في الهواء مسبحة من دون تحريك لأجنحتها ولا استقرار على الأرض من أعظم صنع الله الذي أتقن كل شئ . ثم زاد في البيان فقال ( كل قد علم صلاته وتسبيحه ) أي كل واحد مما ذكر ، والضمير في علم يرجع إلى كل ، والمعنى : أن كل واحد من هذه المسبحات لله قد علم صلاة المصلى وتسبيح المسبح . وقيل المعنى : أن كل مصل ومسبح قد علم صلاة نفسه وتسبيح نفسه . قيل والصلاة هنا بمعنى التسبيح ، وكرر للتأكيد ، والصلاة قد تسمى تسبيحا . وقيل المراد بالصلاة هنا الدعاء : أي كل واحد قد علم دعاءه وتسبيحه . وفائدة الإخبار بأن كل واحد قد علم